حسن النجار يكتب: الأوكتاجون رسالة قوة ترسخ مكانة مصر الاستراتيجية إقليمياً
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والمختص في الشؤون السياسية الدولية
حسن النجار : يكتب
ماذا لو اكتشف العالم أن ما كانت تبنيه مصر خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد منشآت حديثة أو مشروعات عمرانية عملاقة، بل رؤية متكاملة لإعادة بناء عناصر القوة الوطنية وفق أحدث المعايير العالمية؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة مع افتتاح الأوكتاجون، الذي لا يمثل مجرد مقر عسكري متطور، وإنما يعكس اكتمال مرحلة مهمة من مشروع بناء الدولة المصرية الحديثة، ويؤكد أن ما تحقق خلال السنوات الماضية جاء وفق تخطيط استراتيجي طويل المدى، استهدف تعزيز قدرة الدولة على حماية أمنها القومي وإدارة التحديات بكفاءة واحترافية.

لقد تغير مفهوم القوة في العالم بصورة كبيرة، فلم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بحجم التسليح أو عدد القوات، وإنما أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على إدارة المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق الفوري بين جميع مؤسساتها، والتعامل مع مختلف السيناريوهات والأزمات في التوقيت المناسب.
ومن هذا المنطلق، يأتي الأوكتاجون باعتباره أحد أكبر وأحدث مراكز القيادة والسيطرة والإدارة العسكرية على مستوى العالم، حيث يعتمد على منظومة متطورة من التكنولوجيا والاتصالات المؤمنة وأنظمة تحليل البيانات وإدارة العمليات، بما يواكب طبيعة الحروب الحديثة والتحديات الأمنية المتغيرة.
ولسنوات طويلة، تساءل البعض عن أسباب تنويع مصر لمصادر التسليح، والتوسع في إنشاء القواعد العسكرية، وتطوير شبكات الطرق والموانئ والمطارات، وإقامة مراكز القيادة الحديثة. واليوم تبدو الإجابة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فالدولة المصرية لم تكن تستعد لصراع بعينه، وإنما كانت تبني منظومة ردع شاملة تحافظ على أمنها واستقرارها، وتمنع التهديدات قبل أن تتحول إلى أزمات.
إن امتلاك القوة لا يعني السعي إلى الحرب، بل يمثل الضمان الحقيقي للحفاظ على السلام، وصون القرار الوطني، وحماية مقدرات الدولة من أي محاولات للضغط أو الابتزاز، وهو ما أثبتته التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
لقد جاءت مرحلة البناء في توقيت بالغ الصعوبة، حيث شهد العالم اضطرابات غير مسبوقة، شملت تصاعد الإرهاب، والصراعات الإقليمية، والحروب الأهلية، والأزمات الاقتصادية العالمية، والتهديدات السيبرانية، وتعطل سلاسل الإمداد، فضلاً عن التحديات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
وفي ظل هذه المتغيرات، أدركت الدولة المصرية أن مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى حماية مؤسسات الدولة، وتأمين البنية التحتية، وضمان استمرارية العمل في مختلف الظروف، وامتلاك القدرة على اتخاذ القرار السريع والدقيق في أوقات الأزمات.
ومن هنا، لم يكن إنشاء منظومات القيادة والسيطرة الحديثة رفاهية تنظيمية، بل ضرورة استراتيجية فرضتها طبيعة العصر، ورسخت قدرة الدولة على التعامل مع مختلف التحديات بكفاءة عالية.
واليوم، ومع افتتاح الأوكتاجون، تتجسد ملامح هذه الرؤية بصورة عملية، حيث تمتلك مصر بنية متقدمة لإدارة العمليات والقرارات الاستراتيجية، بما يتناسب مع مكانتها الإقليمية ودورها المحوري في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية واضطراباً.
كما يؤكد هذا الإنجاز أن الدولة المصرية اختارت طريق البناء الهادئ، بعيداً عن الشعارات أو الاستعراض، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بما يُعلن، وإنما بما تمتلكه الدولة من قدرات تؤهلها لحماية مصالحها وتحقيق الردع وصيانة الاستقرار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القيادة المصرية تعاملت مع التحديات بعقلانية واتزان، فلم تنجرف إلى صراعات غير محسوبة، ولم تفرط في ثوابتها الوطنية، بل وازنت بين تطوير عناصر القوة الشاملة، والحفاظ على سياسة خارجية مسؤولة تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي.
إن الأوكتاجون ليس مجرد صرح معماري أو مركز قيادة متطور، بل يمثل رمزاً لمرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، ورسالة واضحة تؤكد أن مصر تمتلك من أدوات القوة والإدارة ما يمكنها من حماية أمنها القومي، وصيانة استقرارها، والمضي بثقة نحو المستقبل.
تحية تقدير لكل من شارك في هذه المسيرة الوطنية؛ للقيادة السياسية التي تبنت رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وللقوات المسلحة المصرية التي واصلت تطوير قدراتها بكفاءة واحترافية، ولكل مؤسسات الدولة التي أسهمت في تنفيذ مشروع وطني متكامل، هدفه الأول حماية الوطن، وترسيخ دعائم الاستقرار، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
فالأمم لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بالتخطيط، والعمل، والاستعداد للمستقبل، وهو ما جسدته مصر على أرض الواقع خلال السنوات الأخيرة، لتؤكد أن بناء القوة الرشيدة هو الضمان الحقيقي لصون السلام وحماية الدولة.







